طه عبد الرحمن

54

سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية

" كمال " ؛ والحال أن الأخلاق ليست كمالات ، بمعنى زيادات لا ضرر على الهوية الإنسانية في تركها ، وإنما هي ضرورات لا تقوم هذه الهوية بدونها ، بحيث إذا فقدت هذه الضرورات فقدت الهوية ، وإذا وجدت الأولى وجدت الثانية ، بدليل أن الإنسان لو أتى ضدها - أي ساءت أخلاقه - ، لعدّ ، لا في الأنام ، وإنما في الأنعام « 44 » ، بحيث يتعين علينا أن نعتبرها بمثابة مقتضيات تدخل في تعريف هوية الإنسان نفسها ؛ ولن يتأتى لنا هذا إلا إذا جعلنا وجود الإنسان ، لا متقدما على وجود الأخلاق ، وإنما مصاحبا لوجودها ، وهو أمر ليس في علمنا أن أحدا من الأخلاقيين تفطن إليه وتكلم فيه ، والحاجة تدعو إلى إنشاء نظرية أخلاقية يكون من أصولها مبدأ الجمع بين شرط " الأخلاقية " وشرط " الإنسانية " . ولسنا نبتغي هنا القيام بهذا العمل الجريء والدقيق ، وإنما رجاؤنا في اللّه أن يطول عمرنا وتسلم مداركنا حتى نتفرغ له في أجل قريب ونوليه بإذن اللّه ما يليق بمقامه من التأسيس والتمحيص ؛ ولنكتف هنا بأن نذكر في إلماعة ، على سبيل التمثيل ، بعض العناصر التي يمكن أن تدخل في بناء هذه النظرية الأخلاقية ، أحدها أن الإنسان أصلا خليقة ، وحدّ الخليقة أن تكون في آن واحد خلقا ( بفتح الخاء ) وخلقا ( بضم الخاء ) ؛ وكما أن الخلق يمر بأطوار ، فكذلك الخلق يتقلب في أحوال ؛ وكما أن الخلق يبدأ في غيب الأرحام قبل الخروج إلى عالم الوجود ، فكذلك الخلق يبدأ في غيب هذه الأرحام قبل الدخول في عالم السلوك « 45 » ؛ وكما أن الخلق يكون قويما عند الخروج إلى الوجود ، فكذلك الخلق يكون قويما عند الدخول في السلوك ؛ وبعد الخروج إلى الوجود والدخول في السلوك ، يبقى الفعل الخلقي غير منفك عن الفعل الخلقي ، لأن الإنسان يكون فيه مسؤولا بوجه من الوجوه ، إن في الإتيان به أو تركه أو في اختيار كيفية من كيفيات الإتيان به أو تركه أو في السعي إلى الإتيان به أو تركه أو في القصد من وراء الإتيان به أو تركه أو في استخدام نتيجة الإتيان به أو تركه الخ ؛ يتخلص لنا من هذه الحقائق وأمثالها أن ضرورة الخلق

--> ( 44 ) تدبر الآية الكريمة : " إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا " ، 21 ، المؤمنون . ( 45 ) واضح أننا نجعل الأخلاق أفعالا تبتدئ مع الخلق نفسه ، بحيث تكون " الفطرة " هي بالذات هذه الأخلاق التي رزقها الخالق لمخلوقة قبل أن يخرج إلى العالم ليكتسب أخلاقا على وفقها أو على خلافها ؛ وبهذا ، تكون الأخلاق حسب رأينا على ضربين : " أخلاق فطرية " و " أخلاق مكتسبة " ، والأخلاق المكتسبة هي الأخرى على نوغين : " أخلاق موافقة للفطرة " و " أخلاق مخالفة للفطرة " ، و " الأخلاق المكتسبة الموافقة للفطرة " تكون في حكم " الأخلاق الفطرية " .